صديق الحسيني القنوجي البخاري
361
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أن ينهى المشركون الناس عن الإيمان بالقرآن أو بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ويبعدونهم في أنفسهم عنه ، وقال ابن عباس : لا يلقونه ولا يدعوه أحدا يأتيه ، وعن محمد ابن الحنفية قال : كفار مكة كانوا يدفعون الناس عنه ولا يجيبونه ، وعن سعيد بن هلال قال : نزلت في عمومة النبي صلى اللّه عليه وسلم وكانوا عشرة فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر . وعن ابن عباس قال : ينهون عنه الناس أن يؤمنوا به وينأون عنه أي بتباعدون بأنفسهم فلا يؤمنون ، وعنه قال : نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويتباعد ، عما جاء به وعن القاسم بن المخيمرة وعطاء نحوه والأول أولى . وَإِنْ أي ما يُهْلِكُونَ بما يقع منهم من النهي والنأي إِلَّا أَنْفُسَهُمْ بتعريضها لعذاب اللّه وسخطه وَ الحال أنهم ما يَشْعُرُونَ بهذا البلاء الذي جلبوه على أنفسهم . وَلَوْ تَرى الخطاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو لكل من تتأتى منه الرؤية ، وعبر عن المستقبل أي يوم القيامة بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه كما ذكره علماء المعاني إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ معناه حبسوا عليها يقال وقفته وقفا ووقف وقوفا وقيل معناه ادخلوها فيكون عَلَى بمعنى في ، وقيل هي بمعنى الباء أي وقفوا بالنار أي بقربها معاينين لها ، ومفعول ترى وجواب لو محذوف ليذهب السامع كل مذهب والتقدير لو تراهم إذ وقفوا على النار لرأيت منظرا هائلا وحالا فظيعا وأمرا عجيبا . فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا أي الناطقة بأحوال النار وأهوالها الآمرة باتقائها إذ هي التي تخطر حينئذ ببالهم ويتحسرون على ما فرطوا في حقها أو بجميع آياته المنتظمة لتلك الآيات انتظاما أوليا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بها والعاملين بما فيها والأفعال الثلاثة داخلة تحت التمني أي تمنوا الرد ، وأن لا يكذبوا ، وأن يكونوا من المؤمنين برفع الأفعال الثلاثة كما هي قراءة الكسائي وأهل المدينة ، وقرىء بنصب نكذب ونكون بإضمار أن بعد الواو على جواب التمني ، واختار سيبويه القطع في ولا نكذب فيكون غير داخل في التمني ، والتقدير ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب أي لا نكذب رددنا أو لم نرد ، قال وهو مثل دعني ولا أعود أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني . واستدل أبو عمرو بن العلاء على خروجه من التمني بقوله : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ لأن الكذب في التمني لا يكون ، وقرأ ابن عامر ونكون بالنصب وأدخل الفعلين